أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

42

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« هِيَ » تعود على شيء دل عليه سياق الكلام ، كأنهم قالوا : إن العادة المستمرة أو إن حالتنا وما عهدناه إلّا حياتنا الدنيا . واستند هذا القائل إلى قول الزمخشري « 1 » : هذا ضمير لا يعلم ما يراد به إلّا بذكر ما بعده ، ومثل الزمخشري بقول العرب : 1906 - هي النّفس تحمل ما حمّلت وهي العرب تقول ما شاءت . وليس فيما قاله الزمخشري دليل له ، لأنه يعني أنه لا يعلم ما يعود عليه الضمير إلّا بذكر ما بعده ، وليس في هذا ما يدل على أن الخبر مفسر للضمير ، ويجوز أن يكون المعنى : إن الحياة إلّا حياتنا الدنيا ، فقوله : إلّا حياتنا الدنيا ، دال على ما يفسر الضمير ، وهو الحياة مطلقا ، فصدق عليه أنه لا يعلم ما يراد به ، إلّا بذكر ما بعده من هذه الحيثية ، لا من حيثية التفسير ، ويدل على ما قلته قول أبي البقاء : « هِيَ » : « كناية عن الحياة ، ويجوز أن يكون ضمير القصة » . قلت : أمّا أول كلامه فصحيح ، وأمّا آخره ، وهو قوله : إنّ « هِيَ » ضمير القصة ، فليس بشيء ، لأن ضمير القصة لا يفسّر إلا بجملة مصرح بجزأيها . فإن قلت : الكوفي يجوز تفسيره بالمفرد فيكون نحا نحوهم . فالجواب أن الكوفي إنما يجوزه بمفرد عامل عمل الفعل نحو : « إنه قائم زيد » و « ظننته قائما زيد » ، لأنه في صورة الجملة ، إذ في الكلام مسند ومسند إليه ، أما نحو : هو زيد فلا يجيزه أحد ، على أن يكون هو ضمير شأن ولا قصة . و « الدُّنْيا » صفة : الحياة ، وليست صفة مزيلة اشتراكا عارضا ، يعني : أن ثمّ حياة غير دنيا يقرون بها ، لأنهم لا يعرفون إلا هذه ، فهي صفة لمجرد التوكيد ، كذا قيل . ويعنون بذلك أنها لا مفهوم لها ، وإلّا فحقيقة التوكيد غير ظاهرة ، بخلاف نَفْخَةٌ واحِدَةٌ « 2 » . والباء في قوله : « بِمَبْعُوثِينَ » زائدة لتأكيد الخبر المنفي ، ويحتمل مجرورها أن يكون منصوب المحل على أن « ما » حجازية « 3 » ، أو مرفوعة ، على أنها تميمية . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) قوله : عَلى رَبِّهِمْ . فيه وجهان : أحدهما : أنه من باب الحذف ، تقديره : على سؤال ربهم ، أو ملك ربهم ، أو جزاء ربهم . والثاني : أنه من باب المجاز ، لأنه كناية عن الحبس للتوبيخ ، كما يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه ، ذكر ذلك الزمخشري ، ورجح المجاز على الحذف ، لأنه بدأ بالمجاز ، ثم قال : وقيل : على جزاء ربهم » . وللناس خلاف في ترجيح أحدهما على الآخر ، وجملة القول فيه أن فيه ثلاثة مذاهب :

--> ( 1 ) انظر الهمع ( 1 / 66 ) . ( 2 ) سورة الحاقة ، آية ( 13 ) . ( 3 ) ما الحجازية هي العاملة عمل ليس لكن بشروط : الأول : ألا يقترن اسمها بأن الزائدة . الثاني : ألا ينتقص خبرها بإلا . الثالث : ألا يتقدم خبرها عليها . الرابع : ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها . انظر التصريح ( 1 / 196 ) .